مقالات

الاِستِطلاع والتَجَسُّس والتَحَسُّس والتَخابُر في اللفظ والمفهوم ، هل هناك فرق ؟


بقلم د./ أيمن وزيري

أستاذ الآثار ونائب رئيس إتحاد الأثريين المصريين
تختلف الثقافات والحضارات فيما بينها في تحديد مفاهيم الاِستِطلاع، التَجَسُّس، التَحَسُّس والتَخابُر، فهل هناك فرق بين تلك المصطلحات ؟.. وقد يتضح ذلك من خلال البحث عن المعنى لفظاً ودلالةً ، ولذلك فـــــــ اِستِطلاع هو الإسم، والفعل منه اِستَطلَعَ والمصدر هو اِستطلاع، فنقول “استطلعَ، يستطلع ، استطلاعًا ، فهو مُستطلِع ، والمفعول مُستطلَع” واستطلَعَ الشيءَ أَيْ طلبَ طُلُوعَهُ ومعرفته، ونقول “اِسْتَطْلَعَهُ حول الأحداث الأخيرة ” أَيْ طَلَبَ رَأْيَهُ حول حقيقتها وظروفها، ويُقال “اِسْتَطْلَعَ رَأْيَ أَقربائه” أَيْ نَظَرَ ما عنْدهم منْ رأي، ويرد أيضاً “اِلْتَفَتَ يَسْتَطْلِعُ مَصْدَرَ الصَّوْت” أَيْ يَسْتَقْصِي عنه أو يستقصيه. ويتواتر في ذلك” حُبُّ الاسْتِطْلاَعِ” بمعنى الرَغْبَةٌ الشَدِيدَةٌ في معْرفة كلِّ شيْءٍ وقد يَدْفَعُهُ في ذلك الفُضُولُ، ونقول” استطلاع رأي ” وهو بمثابة طريقة فنِّيَّة لجمع المعلومات التي تُستخدم في استطلاع رأي مجموعة من الناس في مكان مُعيَّن ووقت مُعيَّن عن موضوع مُعيَّن، ويتمّ ذلك بمقابلة أفراد هذه المجموعة وسؤالهم أو توزيع الأسئلة عليهم للإجابة عنها ، ونقول”استطلاعٌ صَحَفِيّ” أَيْ البحث الذي يقوم به كاتب أو أكثر، ويشتمل على تحقيق مكان أو حادث بالوصف والتصوير، أو عملية إعداد الأخبار أو المعلومات في تقارير، ونقول”رحلة استطلاعيَّة أو إستكشافية ” أَيْ رحلة للتعرف على الأشياء وجمع المعلومات. ويرد “أَنْجَزَ اسْتِطْلاَعاً” أَيْ أجرى تَحْقِيقاً أو نَقْلُ مَعْلُومَاتٍ وَحَقَائِقَ عَنْهَا، وحينما نقول “تُحَلِّقُ طَاِئَرَةُ الاسْتِطْلاَعِ فَوْقَ مَكَانِ الْحَادِثِ” فهي بمثابة طَائِرَةُ الاِسْتِكْشافِ لِمَعْرِفَةِ ما يَجْرِي ، وحينما نقول “فِيهِ حُبُّ الاسْتِطْلاَعِ” أَيْ لَديه رَغْبَةٌ شَدِيدَةٌ في مَعْرِفَةِ كُلِّ شَيْءٍ يَدْفَعُهُ في ذلك الفُضُولُ أحياناً .
والتَجَسُّس في معناه مأخوذ من الجَسِّ الذي هو بمثابة جَسُّ الخبر، ويتواتر معناه فيما بين البحث والفحص والتمحيص ، وحينما نقول تَجَسَّسْتُ فلانًا أَيْ بحثت عنه وفتشت عن بواطن أموره ، والتَّجَسُّسُ يعني التفتيش والبحث عن بواطن الأمور، والجاسُوسُ هو بمثابة العين التي تَتَجَسَّسُ وتبحث الأخبار ثم تأتي بها. والمعنى الإصطلاحي للتجسس هو البحث عن العورات والمعايب، وكشف ما ستره الناس أو كشف بواطن الأمور وما تخفيه الصدور .
أما التَجَسُّس فهو الإسم ، والفعل منه تجسَّسَ، وأما المصدر منه فهو تجسُّس، ولذلك نقول تجسَّسَ أو تجسَّسَ على يتجسَّس، تجسُّسًا، فهو مُتجسِّس، والمفعول مُتجسَّس، أما عن معنى تجَسَّسَ الخبرَ فهو بمثابة جَسَّهُ، وتجسَّس الخبرَ أَيْ استطلعه وبحث عنه، وقد يكون تفحَّصه بطريقة غير مشروعة، فنقول تجسَّس له أخبارًا، ونقول أيضاً تجسَّس الشَّخصَ أو تجسَّس على الشَّخصِ بمعنى أنه قام بجمع المعلومات عنه لجهةٍ ما، أو تجسَّس على الأعداء، وقد ورد تَجَسَّسَ الخَبَرَ أَيْ بَحَثَ عنه فِي صِحَّتِهِ وَسِرِّهِ، كما ورد في سورة الحجرات- الآية 12″ لاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً”، ويرد في ذلك “تَجَسَّسَ عَلَيْهِمْ فِي عَمَلِهِمْ بمعنى أنه جَاءَ مَن يَسْتَطْلِعُ أَخْبَارَهُمْ وَأَسْرَارَهُمْ لِيَنْقُلَهَا إِلَى مَنْ يَهُمُّهُ الأَمْرُ.
وقيل أنه ليس هناك فرق بين التحسس والتجسس، فالتحسس – بالحاء- والتجسس – بالجيم – هما ذات الشيء فكلاهما يُعبرٍّ عن طلب الشيء من خلال الحاسة، وقيٍّل “لا تحسسوا، ولا تجسسوا” فمعناهما واحد ولكن تم عطف أحدهما على الآخر لإختلاف اللفظين في منطوقهما ، كما ورد أن التجسس-بالجيم- هو بمثابة البحث عن عورات النساء، وأما التحسس-بالحاء- هو بمثابة الاستماع لحديث القوم، وقد سُئٍّل ابن عباس عن الفرق بينهما فقال:”لا يبعد أحدهما عن الآخر، فالتحسس في الخير، والتجسس في الشر”، ويقول الله عز وجل في علاه بسم الله الرحمن الرحيم”يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ (سورة يوسف، الآية 87)، ووردت هنا بالحاء، حيث إنَّه كان متوقِّعًا أن يأتيه الخبر بسلامة يوسف. وأما قول الله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم” وَلا تَجَسَّسُوا” (سورة الحجرات، الآية 12)- فهنا جاءت بالجيم ، حيث إنَّه من المنهي عنه البحث عن معائب الناس وأسرارهم التي لا يرضون بإفشائها، واطلاع الغير عليها. كما تواتر عن أن التحسس- بالحاء- هو بمثابة أن تستمع الأخبار بنفسك، وأما التجسس- بالجيم- هو أن تتفحَّص عنها بغيرك أو من خلال غيرك. وذكر الترمذي أن التحسُّس- بالحاء في سورة يوسف- هو بمثابة طلب الأخبار عن يوسف والتفتيش عنها، وذلك من باب النصح والاحتياط ؛ حيث إن يعقوب تطيب نفسه ليستمع عن طيب أخبار يوسف وحسن حاله، ولذلك لم ترد لفظة التجسس ؛ فلم يقل ” فتجسسوا عنه- بالجيم-” ولكن قال ” فتحسسوا عنه – بالحاء “، ولذلك فقد يكون التجسس هو بمثابة أن تفتش عن أخبار مستورة ومكروهة أن يعلم بها أحد، فتستخرجها بتفتيشك عنها لهتك الستور، والكشف عن العورات والمساوئ، كما ورد كذلك أن التحسس- بالحاء- هو أن تسمع ما يقول أخوك فيك، وأما التجسس- بالجيم- هو أن ترسل من يسأل لك عما يُقال لك في أخيك من السوء.
أما الفعل “تَخابَرَ” فهو من تخابرَ، يتخابر، تخابُرًا ، فهو متخابِر، ونقول” تَخَابَرَ الحَارِسَانِ” أَيْ خَبَّرَ كُلٌّ مِنْهُمَا الآخَرَ، أَيْ تَبَادَلاَ الأَخْبَارَ، ونقول “تَخَابَرَ الْمَسْؤُولاَنِ” أَيْ تَبَاحَثَا، ونقول” قُبض عليه بتهمة التخابر مع دولة أجنبيّة” أَيْ بتهمة إمدادها بمعلومات عن بلده، والتَخابُر هو الاسم، والمصدر منه تخابُر وهو من تَخابَرَ، أو من خابَرَ، ومشتقاتها خابرَ يخابر، مُخابَرَةً ، فهو مخابِر، والمفعول مخابَر، وحينما نقول”قَرَّرَ الرَّجُلاَنِ التَّخَابُرَ فِيمَا بَيْنَهُمَا”أَيْ التَّبَاحُثَ فِيمَا بَيْنَهُمَا، وحبنما نقول “خَابَرَ أهْلَهُ” أَيْ بَادَلَهُمُ الأخْبَارَ، وحينما نقول “خَابَرَهُ فِي شُؤُونِ الْبِلاَدِ” أَيْ باحَثَهُ ونَاقَشَهُ، وأما “خَابَرَهُ بِالهَاتِفِ فتعني كَالَمَهُ، وحينما نقول “خابر المالكُ الفلاَّحَ” أَيْ سلّمه أرضَه لاستثمارها على نصيب معيّن كالثلث والربع وغيرهما، أو شاركه في زراعة أرض على نصيب معيَّن. ونقول تخابر مع صديقه أي تبادل معه الأخبارَ، والتَخَابَرَ من (خ ب ر) ونقول” تَخَابَرَ الحَارِسَانِ أي خَبَّرَ كُلٌّ مِنْهُمَا الآخَرَ، أَيْ تَبَادَلاَ الأَخْبَارَ، وتَخَابَرَ الْمَسْؤُولاَنِ أَيْ تَبَاحَثَا، حينما نقول “قَرَّرَ الرَّجُلاَنِ التَّخَابُرَ فِيمَا بَيْنَهُمَا أَيْ التَّبَاحُثَ فِيمَا بَيْنَهُمَا. والخَبِيرُ هو إسم من أَسماء الله عز وجل وهو العالم بما كان وما يكون وما سيكون. وحينما نقول “خَبَرْتُ الأَمرَ أَيْ أَخْبُرُهُ إِذا عرفته على حقيقته.وقوله تعالى “فاسْأَلْ بهِ خَبِيراً أَيْ اسأَل عنه خبيراً يَخْبُرُ، والخَبَرُ هو ما أَتاك من نَبإِ عمن تَسْتَخْبِرُ، ونقول”الخَبَرُ النَّبَأُ ، والجمع أَخْبَارٌ، وأَخابِير جمع الجمع. ونقول”رجُلٌ خابِرٌ وخَبيرٌ وخَبِرٌ وخُبْرٌ أَيْ عالمٌ به ، ونقول “أخْبَرَهُ خُبورَهُ أَيْ أنبأهُ بما عِندَهُ. والخِبْرُ، خِبْرَةُ ، خُبْرُ ، خُبْرَةُ ، مَخْبَرَةُ ، مَخْبُرَةُ أَيْ العِلْمُ بالشيءِ، وهي كالاخْتِبارِ والتَّخَبُّرِ، وحينما نقول”اختبر الدَّواءَ أَيْ جرَّبه أو أخضعه للاختبار أو فحصه ليعرف حقيقتَه، وكذلك في “اختبر السِّلاحَ”،واختبر الشَّخصَ أَيْ امتحنه أو اختبره في القراءة، الكتابةأو المعلومات العامّة، ونقول”عقد المدرس اختبارًا مفاجئًا لطلابه. وأما اختبر اللهُ النَّاسَ أَيْ ابتلاهم امتحانًا لقوّة إيمانهم ،وهو أعلم بها. وعلى ذلك فـــاختبرَ، يختبر، اختبارًا، فهو مختبِر، والمفعول مختبَر، وأما اختباريَّة فهي اسم مؤنَّث منسوب إلى اختبار مثلما هو الحال حينما نقول يقضي المعيّنون الجدد فترة اختباريّة مدّتها ستة أشهر، أو حينما نقول حفرت الشَّركة عشرين بئرًا اختباريّة تنقيبًا عن البترول. وقد تكون اختباريَّة بمثابة مصدر صناعيّ من اختبار أَيْ قابلية شيء للسَّبْر والامتحان . وأما اختباريّ فهو اسم منسوب إلى اختبار أَيْ تجريبيّ أو قائم على الاختبار والملاحظة مثلما هو الحال حينما نقول “أسلوب اختباريّ”أو استقرائيّ أَيْ ناتج عن بحث وتتبُّع. وأما اِسْتَخْبَرَ، يَسْتَخْبِرُ، مصدر اِسْتِخْبَارٌ، مثلما هو الحال حينما نقول “اِسْتَخْبَرَهُ عَنْ أَحْوَالِهِ أَيْ سَأَلَ عَنْهَا، وأيضاً “اِسْتَخْبَرَ الرَّجُلُ عَنْ حَقِيقَةِ الأَمْرِ أَيْ اِلْتَمَسَ مِنْهُ أَنْ يُخْبِرَهُ حَقِيقَةَ الأمْرِ أو اِسْتَخْبَرَهُ الخَبَرَ أَو الحَقِيقَةَ. وحينما نقول استخبره عن الأمر أَيْ طلب منه أن يخبره حقيقتَه أو سأله عنه والتمس معرفتَه. وأما اسْتَخْبَرَهُ أَيْ سأَلَهُ عن الخَبَر وطلب أن يُخْبرَه به، ويقال في ذلك استخْبر الخبَر . واختَبَرَ الشيءَ أَيْ خَبَرَهُ، و اِخْتَبَرَ ذَكَاءهُ أَيْ اِمْتَحَنَهُ وجَرَّبَهُ، اِخْتَبَرَ حَقِيقَةَ الأَمْرِ أَيْ عَلِمَهُ عَلَى حَقيقَتِهِ ، واِخْتَبَرَ الرَّجُلُ لأَهْلِهِ أَيْ اِشْتَرَى لَهُمْ إدَاماً أَوْ لَحْماً . وأما استخبرَ، يستخبر، استخبارًا ، فهو مستخبِر، والمفعول مستخبَر، فنقول”استخبره عن الأمر أَيْ طلب منه أن يخبره حقيقتَه، أو سأله عنه والتمس معرفتَه. وفي النهاية ، الحكم للقاريء فليحكم إن كان هناك فرق أم كلاهم سواء ، وانتظرونا في سلسلة مقالات عن مفاهيم التخابر في الثقافات القديمة وتطوراتها حديثاً .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق