مقالات

شم النسيم

د.نورا طاش

يعرف شم النسيم في اللغة الهيروغليفية بإسم “شمو” وهي تسمية تطلق علي أحد فصول السنة المصرية القديمة, حيث قسم المصري القديم السنة “رنبت” إلي ثلاثة فصول: “أخت” وهو فصل الفيضان ويبدأ في شهر يوليو إلي شهر أكتوبر, و “برث” فصل بذر البذور ويبدأ في شهر نوفمبر, و”شمو” فصل الحصاد ويبدأ في شهر مارس.
وبمرور الزمن تغير هذا الإسم من شمو إلي شم خاصة في العصر القبطي, ثم أضيفت إليه كلمة النسيم ليصبح شم النسيم.
وقد إختلف المؤرخون في معرفة متي بدأ الأحتفال بهذا العيد فيري كثير من الباحثين ومنهم “برستيد” أن الإحتفال قديم ويرجع إلي عصر ما قبل الأسرات وقبل بناء الأهرامات بقرون طويلة, أما “بلوتارخ” أحد المؤرخين الكبار فيري أن تاريخ شم النسيم يعود إلي 4000 سنة قبل الميلاد, أما أغلب الباحثين فيرون أن الإحتفال بدأ رسمياً إعتباراً من 2700ق.م, أي مع نهاية الأسرة الثالثة وبداية الأسرة الرابعة, وإن كان معروفاً قبل ذلك وأنه إنتقل إلي حضارات العالم القديم عن طريق مصر.
ولأن قدماء المصريين قد تعودوا علي ربط أعيادهم بالظواهر الفلكية وعلاقتها بالطبيعة ومظاهر الحياة, فقد كان إحتفالهم بعيد الربيع أو فصل الحصاد الذي حُدد ميعاده بالإنقلاب الربيعي وهو اليوم الذي يتساوي فيه الليل بالنهار وقت حلول الشمس في برج الحمل وكانوا يحددون ذلك اليوم والإحتفال بإعلانه في ليلة الرؤية أو لحظة الرؤية عند الهرم الأكبر الذي يصفونه بقولهم ” عندما يجلس الإله علي عرشه فوق قمة الهرم” وهي تمام الساعة السادسة مساء ذلك اليوم حيث يجتمع الناس في إحتفال رسمي أمام الواجهة الشمالية للهرم, فيظهر قرص الشمس قبل الغروب وخلال دقائق محدودة وكأنه يجلس فوق قمة الهرم, وتظهر معجزة الرؤية عندما يقسم ضوء الشمس وظلالها واجهة الهرم إلي شطرين, فالهرم هو بيت الشمس علي الأرض.

وكان لقدماء المصريين ومازال مائدة طعام خاصة بهذا اليوم, وتتكون هذه المائدة من خمسة أطعمة رئيسية لكل طعام منها فلسفته الحياتية المرتبطة بالمجتمع الزراعي وهي البيض والفسيخ والبصل الأخضر والخص والملانة, وهذه الأطعمة الخمسة التي ترتبط بخماسية الكف وأصابع اليد تسمي بالخماسية المقدسة, لأن الكف لدي المصريين القدماء يرمز إلي العطاء الإلهي.
حيث يرمز البيض في العقيدة المصرية القديمة إلي خلق الحياة من العدم, ونقش البيض وزخرفته يرجع إلي إعتبارهم أن ليلة العيد بمثابة ليلة القدر, فكانوا ينقشون علي البيض الدعوات والأمنيات ويجمعونه في سلال من سعف النخيل الأخضر ويتركونها في شرفات المنازل ونوافذها أو يعلقونها في أشجار الحدائق حتي تتلقي بركات نور الإله عند شروقه فيحقق دعواتهم, وللبيض دلاله في الميراث الشعبي لكثير من الأمم وقد ظهر في الشعائر المتصلة بالخصوبة, فقد كان من العادات أن تدوس العروس البيض أول دخولها بيت الزوجية إلتماساً للخصوبة.
أ ما الفسيخ فقد عرف المصري القديم السمك منذ معرفته بالنيل نفسه وكان يُحرم أكل السمك عامة لمدة ثلاثة شهور حيث تقل المياه في نهر النيل ولعله بذلك أراد إفساح المجال لإكثار الأسماك في النيل لقلة الأسماك في هذه الفترة, وإحترام المصري لدورة حياة الأسماك راجع لتقديس النيل نفسه ولذلك كانوا يجففونه ويحفظونه بالتمليح وقد برعوا في ذلك وكانوا يفضلون نوعاً معيناً لتمليحه وحفظه للعيد أطلقوا عليه إسم بور وهو الإسم الذي حور في اللغة القبطية إلي بوري وما زال يطلق عليه حتي الآن, وقد ظهر الفسيخ والسمك المملح بين أطعمة شم النسيم في الأسرة الخامسة عندما بدأ الإله “حعبي” الإهتمام بتقديس النيل نهر الحياة.
كما إحتل البصل الأخضر مكانة ضمن أطعمة شم النسيم التقليدية لإلي جانب الفسيخ والبيض في منتصف الأسرة السادسة وارتبط ظهوره بإحدي أساطير منف القديمة التي تروى كيف كان البصل سبباً في علاج طفلاً وحيداً لأحد ملوك الفراعنة الذي أصيب بمرض غامض عجز الأطباء والكهنة والسحرة عن علاجة مما أقعده عن الحركة وألزمه الفراش لسنوات توقفت خلالها الأفراح والإحتفالات حزناً عليه حتي لإستطاع الكاهن الأكبرلمعبد آمون علاجه بواسطة وضع ثمرة ناضجة من البصل تحت رأس الأمير وتعليق حزم البصل في أرجاء المنزل وأمام الأبواب, وحدثت المعجزة وشفي الأمير الصغير, وكان للبصل عيد خاص به ضمن أعياد الحصاد المصرية اسمه عيد نتريت ويقع في 29كيهك, وكانوا يطوفون فيه حول الدار البيضاء منف تبركاً به واعتاد الناس فيه أيضاً تعليق حزم البصل علي أبواب المنازل وأن يصبوا عصيره علي عتب الباب, ووضعه تحت وسائدهم وشمه عند مطلع الفجر اعتقاداً منهم بأنه يطرد الأمراض.
وهو من المحاصيل التي ذكرت في التوراة والقران مرتبطة بخروج بني إسرائيل من مصر ونزول المن والسلوي عليهم من السماء فرفضوه وطلبوا من موسي عليه السلام أن يأكلوا عدساً وبصلاً فقال لهم إهبطوا مصراً, قال تعالي” وإذ قلتم يا موسي لن نصبر علي طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدني بالذي هو خير اهبطوا مصراً فلإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله” سورة البقرة آية 61.
أما الخس فقد إعتبره المصريون من النباتات المقدسة الخاصة بالمعبود “من” أو “مين” إله التناسل وقد إشتهرت بزراعته مدينة أخميم أو “خم من” أو أرض إله التناسل, وكذلك مدينة قفط ولا تزال هاتان المدينتان تنتجان أجود أنواع الخس وزيته إلي الآن, وقد ذكر الخس في بردية إيبرس ثلاث عشر مرة في وصفات نافعة لوجع الجنب وقتل الدود والنزلات الحادة وأمراض الجهاز الهضمي والعصبي وقرحة المعدة والأمراض الروماتيزمية, كما وضعت هذه البردية قائمة من التراكيب الطبية الخاصة بالخس ومركباته وزيت بذوره التي تحتوي بجانب فيتامين هـ علي نسبة عالية من فيتامين ج, وأملاح الكالسيوم والفسفور والحديد.
وللملانة أو الحمص كما للخس الكثير الفوائد والمزايا التي ورد ذكرها في بردياتهم الطبية, لما تحتوي عليه من عناصر تستخدم في علاج الكلي والكبد والمثانة , كما وصفت بردية إي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق