تقارير وتحقيقاتعاجل

ياسر بركات يكتب عن : الضبعة.. مفاجأة مصر للعالم الرئيس يكتب صفحة التاريخ فى موسكو

مصر تدخل النادى النووى

بعد 8 لقاءات بين السيسى.. وبوتين

الهيئة الهندسية للقوات المسلحة تنتهى من أعمال البنية التحتية وتضع اللمسات الأخيرة على برج الأرصاد ومبانى العاملين

انطلاق تجريبى لأجهزة قياس المياه الجوفية والزلازل والتيارات البحرية

إنشاء مصانع روسية فى مصر لتصنيع مكونات المحطة محلياً وعقد دورات تدريبية للكوادر المصرية

روسيا تعيد أمجاد أنشاص فى الستينات واختيارها شريكاً فى البرنامج جاء بعد دراسات سياسية واقتصادية

مصر تتعهد بسداد قيمة المحطة بعد الانتهاء من تشغيلها

قلق فى تل أبيب من المفاعل النووى السلمى المصرى.. وتحذيرات من تصنيع قنبلة نووية

بعد 8 لقاءات سابقة، جاءت زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسى الرابعة إلى العاصمة الروسية، موسكو، لتؤكد قوة التحالف بين القاهرة وموسكو منذ سنة 2014، أى السنة التالية لنهاية حكم تنظيم الإخوان لمصر.

كانت الزيارة الرسمية الأولى للسيسى إلى روسيا فى عام 2014، قبيل تقلده منصب الرئاسة، بصفته وزيراً للدفاع، ورافقه خلالها وزير الخارجية آنذاك. وأعلن الرئيس، فى ذلك الوقت، أن زيارته تعد «انطلاقة جديدة للتعاون العسكرى والتكنولوجى بين مصر وروسيا». وفى أغسطس من العام ذاته، كانت زيارة السيسى الأولى إلى روسيا عقب توليه منصب رئاسة الجمهورية، عقد خلالها مباحثات ثنائية مع الرئيس الروسى. كما زار الرئيس المصرى نظيره الروسى فى فبراير 2015، ووقع البلدان حينها عدداً من الاتفاقيات فى مختلف المجالات. وفى مايو 2015، كانت زيارة السيسى الثالثة كرئيس للجمهورية، إلى روسيا، للمشاركة فى احتفالات الذكرى الـ70 للانتصار الروسى فى الحرب العالمية الثانية، وكانت المرة الأولى التى تدعو فيها موسكو رئيسا مصريا للمشاركة فى هذه المناسبة.

زار السيسى فى أغسطس 2015، موسكو، والتقى بوتين، وبحث الرئيسان سبل دعم العلاقات الاقتصادية، وزيادة التبادل التجارى بين البلدين والمشروعات الاستثمارية المشتركة. وفى الشهر ذاته من العام نفسه، وفى إشارة لافتة إلى قوة ومتانة العلاقات بين البلدين، حرص رئيس الوزراء الروسى ديمترى ميدفيديف، ضمن حشد كبير من زعماء وقادة العالم، على المشاركة فى احتفالات مصر بافتتاح قناة السويس الجديدة. والتقى الرئيسان فى سبتمبر 2016، على هامش أعمال قمة مجموعة العشرين فى الصين، كما التقى السيسى وبوتين من جديد على هامش قمة مجموعة البريكس فى الصين أيضاً فى سبتمبر 2017، تناولت المباحثات عدداً من القضايا الثنائية والدولية. وفى ديسمبر 2017، قام الرئيس بوتين بزيارة لمصر وقع خلالها اتفاق مشروع الضبعة النووى بين مصر وروسيا.

عمق العلاقة بين مصر وروسيا خلال السنوات القليلة الماضية، ولقاء رئيسى البلدين عبدالفتاح السيسى وفلاديمير بوتين 9 مرات خلال 5 سنوات، تم تتويجه فى القمة المصرية الروسية التى انعقدت فى منتجع سوتشى الثلاثاء والأربعاء، الماضيين. ويمكننا أن نقول إن الزيارة الرابعة للرئيس عبدالفتاح السيسى إلى روسيا تمثل محطة أخرى ذات أهمية كبيرة فى مسيرة العلاقات بين البلدين والتى شهدت على مدى السنوات الخمس الأخيرة تطورات ملموسة فى مختلف المجالات. وهناك العديد من المؤشرات تؤكد أن القمة التى عقدها الرئيسان تدشن مرحلة جديدة على طريق تطوير العلاقات بين البلدين، والتفاهم السياسى بين القيادتين. وتكللت الجهود المشتركة، فى تعزيز أواصر علاقات الصداقة بين البلدين، بالتوقيع على اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة، التى سنكتب من خلالها فصلاً جديداً، على طريق التعاون، وستفتح آفاقاً ممتدة، للارتقاء بمستوى العلاقات الثنائية والشراكة الاستراتيجية.

اللقاء تناول القضايا الأكثر إلحاحاً على الأجندة الإقليمية والدولية، واتفقت رؤية الرئيسين على عدد من المواقف الأساسية، على رأسها استمرار العمل المشترك للحفاظ على مناطق خفض التوتر وتوسيعها لتهيئة الظروف المناسبة للمفاوضات السياسية. كما تطرقت المباحثات إلى كيفية دفع العلاقات الثنائية وتطويرها، وخاصة تلك التى تتصل بالتصنيع المشترك وتعزيز التبادل التجارى وجذب الاستثمارات الروسية إلى مصر من خلال إقامة منطقة صناعية روسية فى المنطقة الاقتصادية فى قناة السويس. وتسوية أى عقبات تواجه الانتهاء من المشاريع التى نعتزم تنفيذها مع روسيا فى المستقبل القريب، أسوة بروح التنسيق التى سادت فى المفاوضات بشأن عقود إنشاء محطة الضبعة وهى أول محطة من نوعها فى مصر.

تعدد الزيارات ولقاءات القمة بين رئيسى مصر وروسيا، دليل على التوافق بين البلدين بشأن قضايا منطقة الشرق الأوسط، بعدما أثبتت الأحداث فى الفترة الأخيرة أهمية دور البلدين الحيوى فى معادلات المنطقة، كما أثبتت التقارب الكبير فى وجهات النظر بين القاهرة وموسكو وموقفيهما إزاء معظم قضايا المنطقة. وقد شهدت السنوات القليلة الماضية تطورا لافتا فى العلاقات العسكرية بين مصر وروسيا، انطلاقاً من حرص القيادة المصرية على تنويع علاقاتها العسكرية مع العديد من دول العالم، والعواصم المؤثرة فى المشهد الدولى. وتميزت الزيارة الرابعة للسيسى إلى موسكو بإلقائه كلمة أمام مجلس الفيدرالية الروسى، وهو الغرفة الأعلى للبرلمان، فى إشارة أخرى للمناخ الإيجابى والودى من الجانب الروسى، ولتقدير موسكو لمصر ورئيسها.

زيارة الرئيس الرابعة إلى موسكو أسست لمرحلة جديدة فى السياسة الخارجية المصرية، فى توقيت بالغ الأهمية، ووضعت مرتكزات ثابتة لمبدأ استقلالية السياسة الخارجية الذى نجح الرئيس فى تأكيده لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ مصر، قائمة على سياسة تنويع الخيارات التى أصبحت جزءاً من السياسات الخارجية لدول العالم فى هذه المرحلة. وعلى المستوى الاقتصادى، وانطلاقاً من التأكيد على أن مصر بدأت مرحلة تنفيذ المشروعات الاقتصادية الكبرى، سعت مصر للاستفادة التكنولوجية من حليف استراتيجى ساهم فى بناء أحد أهم المشروعات المصرية فى القرن الماضى وهو السد العالى، إضافة إلى فتح مجالات أكبر أمام المنتجات المصرية للتواجد فى السوق الروسى، إلى جانب المساهمة فى الإسراع فى بدء مفاوضات منطقة التجارة الحرة بين مصر ودول الاتحاد الاقتصادى الأوروآسيوى والتى تضم كلاً من روسيا الاتحادية وبيلاروسيا وكازاخستان بالإضافة إلى أرمينيا.

بعد انتعاش التجارة بين البلدين وتجاوزها 6٫5 مليار دولار، تدخل المشروعات الصناعية الروسية إلى شرق بورسعيد على مساحة خمسة كيلو مترات مربعة، وباستثمارات تبدأ بسبعة مليارات دولار، وتسعى نحو 130 شركة روسية إلى إقامة خطوط إنتاج لها فى المنطقة الصناعية، وهو ما يوفر عشرات الآلاف من فرص العمل فى عدد كبير من الصناعات المتطورة، لتشارك روسيا فى المنافسة القوية بين الاستثمارات الدولية فى هذه المنطقة الحيوية، التى ستصبح إحدى أهم القلاع الإنتاجية الناشئة فى العالم، على أن تمنح روسيا تسهيلات للمنتجات المصرية، لإحداث التوازن فى حجم التبادل التجارى المتزايد بين البلدين، الذى سيتعزز بتوقيع اتفاقية التجارة الحرة بين مصر والاتحاد الأوراسى، الذى يضم إلى جانب روسيا كلا من أرمينيا وبيلاروسيا وكازاخستان وقرغيزيا، وهو ما سيفتح الباب واسعا أمام انتعاش التبادل التجارى وفتح أسواق جديدة للسلع والمنتجات المصرية. وكان ملف التعاون العسكرى حاضرا كالعادة بين الرئيسين، سواء فيما يتعلق بتزويد مصر بالأسلحة الروسية الحديثة، أو فى مجال التدريب والمناورات العسكرية المشتركة، وهو تعاون زادت وتيرته فى السنوات الأخيرة، فى إطار حرص مصر على تعزيز قدرات الجيش، ورفع جاهزيته القتالية، وتنويع مصادر تسليحه.

نحن أمام مرحلة جديدة فى السياسة الخارجية المصرية مفادها حرص مصر على إعادة التوازن فى علاقاتها الدولية وفقاً للمصلحة الوطنية العليا، بإعادة تقييم هذه العلاقات، وفقاً لما هو معروف دولياً من أن التوازن الدولى هو حالة من التساوى فى القوة بين الدول سواء كانت قوة اقتصادية أو تسليحية أو سياسية تجعل سلوك الدول مع بعضها البعض يتسم بالمرونة والتفاهم وتقبل اللجوء للوسائل السلمية فى التعامل عن الدخول فى صراعات وحروب.

هذه المرحلة، انطلقت من العلاقات المصرية الروسية وكان التحدى الأكبر فيها هو التعاون فى التحديات التى تواجهها كلا الدولتين ونقصد قضية مكافحة الإرهاب، ومكافحة إرهاب تنظيم الإخوان المسلمين تحديدا التى توليها روسيا أهمية كبرى، بدرجة لا تقل عن مصر، إن لم تكن أكثر. ونشير هنا إلى أن بوتين بعد أن تمكن من الانتصار على تركيا (باعتبارها محكومة بالتنظيم الدولى للإخوان) فى الميدان السورى، سيتمكن من الانتصار على «الإخوان» الذين يحملون السلاح ضده فى البلدان الإسلامية الصغيرة المتاخمة لروسيا.

كما أن إعادة الاستقرار إلى سوريا، سيفتح المجال واسعاً لعلاقات أكثر توازناً مع العالم ويضع الأسس أمام الدول العربية للتحول شرقاً، مع انتهاج سياسة خارجية مصرية أكثر جرأة فى التعامل انطلاقاً من المصالح الاستراتيجية، ووفقا لمقتضيات مرحلة التحولات الراهنة ليس فقط فى المنطقة العربية والشرق الأوسط، وإنما وفق محاولات إعادة هيكلة موازين القوى فى النظام العالمى بشكل يجعله متعدد القوى، ويسقط هيمنة القوة الأحادية التى أساءت استغلال إمكانياتها.

.. وأخيراً.. مصر تدخل النادى النووى

جهود مضنية قام بها الرئيس عبدالفتاح السيسى لإعادة إحياء الدولة فى المجالات الاقتصادية والسياسية وحاول ضبط الموازين واستكمال ما توقف من المشاريع الكبرى لبناء الاقتصاد المصرى وتطوير البنية التحتية. ومع تلك الجهود، بدأ تحقيق حلم المصريين فى إقامة «مشروع المحطة النووية بالضبعة» الذى توقف ما يقرب من 34 سنة بين ضغوط دولية ومحاربة أباطرة رجال الأعمال لإقامة المشروع بزعم أنه سيؤثر على منتجعاتهم، بالإضافة إلى تعدى أهالى الضبعة على الأرض المخصصة لإقامة المشروع، مستغلين حالة الانفلات التى صاحبت ثورة 25 يناير. وعقب انتخاب الرئيس عبدالفتاح السيسى، أحيا المشروع من جديد وقرر البدء فى إنشاء المحطة النووية، وأعلن أن منطقة الضبعة هى المكان الأنسب لإقامة المشروع، فى وقت أصبح الخيار النووى ضرورة ملحة، وأحد متطلبات الأمن القومى المصرى. وكانت زيارته الأولى إلى روسيا أولى الخطوات، حيث أعلن الرئيس السيسى أنه تم الاتفاق على إقامة منطقة حرة مع الاتحاد الروسى، وتعزيز التعاون فى مجال الطاقة. كما انتهت الهيئة الهندسية للقوات المسلحة من أعمال البنية التحتية لمشروع الضبعة النووى لتوليد الكهرباء، وجار تنفيذ المرحلة النهائية من أعمال التشطيبات الخاصة بمبانى العاملين.

وتشمل البنية التحتية للمشروع إنشاء برج الأرصاد لقياس درجات الحرارة والرطوبة واتجاهات الرياح، إضافة إلى إنشاء مبانى العاملين وأجهزة قياس المياه الجوفية والزلازل والتيارات البحرية وإمداد خطوط الغاز والمياه والكهرباء والاتصالات.

حتمية قرار تنفيذ المشروع النووى المصرى، جاءت تجسيدا لاستيعاب واقع الاستخدام العالمى، الفعلى والمتوقع، للطاقة النووية.

كان السؤال الملح أمام الحكومة المصرية والقيادة السياسية هو إلى أين نتجه؟ ومع من نتعاون فى إقامة المحطة النووية؟ وكانت الإجابة بعد تفكير طويل هى «روسيا».

وكان اختيار روسيا مبنياً على عدة أسس وجيهة أهمها أنها دولة صديقة منذ عقود طويلة وكانت أول دولة تشاركنا وتساعدنا فى بناء البرنامج النووى فى الستينيات كما أنها تعد الدولة الوحيدة التى تقوم بتصنيع مكونات المحطة النووية بنسبة 100%، ولا تعتمد على استيراد مكوناتها من أى دول أخرى قد يكون بينها وبين مصر عداوة تعرض المشروع للاحتكار من قبل هذه الدول، إضافة إلى أن روسيا لها تاريخ طويل فى دعم مصر فهى من أنشأت مفاعل أنشاص وساهمت فى بناء السد العالى كما أنها دولة قوية يصعب اختراق أمنها بسهولة.

كما أن مصر وروسيا الآن ترتبطان بعلاقات قوية ومتينة وأستطيع القول إنهما ضمن حلف دولى قوى يقف فى مواجهة قوى دولية وإقليمية لا تريد خيراً للمنطقة ومصر، وبالتالى ستساعد روسيا مصر فى بناء المحطة بكل ما أوتيت من قوة، فضلاً عن أن روسيا لم تضع أى شروط سياسية على مصر لإقامة المحطة، كما ستنشئ مركز معلومات للطاقة النووية ونشر ثقافة التعامل معها شعبياً، كما أنها وافقت على أن تقوم مصر بسداد قيمة المحطة بعد الانتهاء من إنشائها وتشغيلها، مع وجود فترة سماح علاوة على إنشاء مصانع روسية فى مصر لتصنيع مكونات المحطة محلياً وعقد دورات تدريبية للكوادر المصرية على استخدام التكنولوجيا النووية ونقل الخبرات الروسية للمصريين.

بالإعلان عن توقيع عقد إقامة مفاعل الضبعة عاد المشروع النووى المصرى، ليطل مرة أخرى كحلم أمام المصريين وليحقق العديد من الأهداف والمزايا على مختلف المستويات. فعلى المستوى السياسى أكد عمق العلاقات بين القاهرة وموسكو، ومتانة الشراكة الاستراتيجية بين البلدين الصديقين، وقطع فى الوقت نفسه الطريق على مجموعة الحاقدين والمزايدين والمتربصين والمشككين فى هذه العلاقات، خاصة عقب تداعيات حادث تحطم الطائرة الروسية المنكوبة فى أجواء سيناء،وعلى المستوى العلمى والتكنولوجى فإن الاتفاق يدشن لمرحلة جديدة تدخل معها مصر عصر الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، الأمر الذى يدعم مسيرتها فى معركة التنمية، وهى تخطو نحو بناء دولة حديثة تقوم على أسس علمية سليمة، تأخذ فى سبيلها بكل أسباب النهوض والتقدم العلمى، خاصة بعد أن تعددت الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، وأصبحت تدخل فى معظم المجالات العلمية والطبية والزراعية والصناعية، وحتى فى مجالات التغذية، وزيادة الإنتاج النباتى والحيوانى، كما أصبحت توفر نصيبا كبيرا من الطاقة الكهربائية على مستوى العالم.

وعلى مستوى بناء الكوادر العلمية فى مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، فإنه يمكننا القول إن مشروع محطة الضبعة النووية سيسهم فى استيعاب الكوادر المصرية المدربة الموجودة بهيئة الطاقة الذرية، بالإضافة إلى المؤسسات الأخرى ذات الصلة، فضلا عن بناء كوادر جديدة قادرة على تحقيق نقلة نوعية بالمنطقة العربية، كما سيسهم فى استعادة الكوادر المصرية الموجودة بالخارج. وفوق ذلك كله، جاء توقيع التعاقد مع «روس أتوم»، ليعلن انتصاراً للدولة وعلمائها فى مواجهة رجال أعمال غلبّوا مصالحهم الشخصية (أو مصالح شركائهم فى الخارج قبل الداخل) وبين المصالح العليا للوطن.

رغم وجود دراسات عديدة لعلماء وخبراء الطاقة على أرض المشروع النووى بالضبعة تجاوزت الـ500 مليون جنيه مصرى، أكدت أن هذه الأرض الواقعة على ساحل البحر الأبيض المتوسط التى تبعد عن مدينة مرسى مطروح بحوالى 150 كيلو متراً شرقاً إلى الإسكندرية، هى الأنسب لإقامة أول محطة نووية مصرية، إلا أن حالة التلكؤ والتباطؤ فى إعلان بدء تنفيذ المشروع جعلت كثيرا من المراقبين يشككون فى النوايا ويستسلمون لسيطرة ونفوذ رجال الأعمال الطامعين فى أرض المشروع الذين كانت تحركاتهم وتصريحاتهم أقوى من الحكومة نفسها، ولا شك فى أن التردد والتراجع فى الإعلان على اختيار الضبعة (نووياً) على ما يقترب من الـ30 عاماً، يمثل ترجمة حقيقية للصراع بين الحكومة ورجال الأعمال الطامعين فى موقع الضبعة الذى يتوسط مجموعة من المنتجعات السياحية شرقا وغربا على الساحل الشمالى.

على مدى كل تلك السنوات، كان السؤال لماذا يريد رجال الأعمال الاستحواذ على أرض الضبعة بالذات؟ وهو السؤال الذى شغل الرأى العام كله، ليس على مستوى النخبة فقط، وإنما على مستوى حتى أهالى الضبعة أنفسهم، الذين يقيمون فى هذه المنطقة منذ عهد محمد على ولم يشعروا يوماً أنها تستحق كل هذا الاهتمام من رجال الأعمال، ولم يستفيدوا يوماً من كل القرى السياحية والمنتجعات الممتدة والمتناثرة حولهم شرقاً وغرباً، لكن ما لم يشعر به الأهالى أنفسهم، أن الضبعة منطقة مميزة جداً فهى تقع شمال غرب مصر بين مدينتى الإسكندرية ومرسى مطروح وتتبع إدارياً محافظة مطروح، وتبدأ حدود الضبعة من قرية غزالة شرقاً حتى قرية فوكة غرباً، وتبلغ مساحتها 60 كيلو متراً على الساحل، ويفصلها عن الطريق الدولى 2 كيلو متر، بالإضافة إلى ذلك كله فهى تقع على الساحل ضمن مجموعة متميزة من القرى السياحية والمنتجعات، وهذه كلها مميزات جعلت رجال الأعمال يحاربون ويخوضون معارك ضد الإعلام والحكومة من أجل السيطرة عليها.

حتى ندرك أهمية المشروع، تعالوا نعود إلى دراسة أعدها المركز الأورشاليمى للدراسات السياسية والاستراتيجية فى إسرائيل، فى أغسطس 2010 ذكرت بوضوح أن اختيار منطقة الضبعة لإقامة مفاعل نووى فى مصر، هو الخطوة الأخيرة التى تسبق دخول القاهرة النادى النووى.. أو البوابة الفعلية لدخول ذلك «النادى». وفى الدراسة تحذير واضح من أن المفاعل النووى السلمى المزمع إنشاؤه فى مصر، سيوفر للقاهرة القاعدة العلمية والتكنولوجية الملائمة للبدء سريعاً فى برنامج نووى عسكرى، وتصنيع قنبلة نووية، بما يتناسب مع الظروف السياسية والاستراتيجية التى قد تشهدها المنطقة مستقبلاً.

الدراسة التى أعدها تسفى مزائيل، السفير الإسرائيلى الأسبق بالقاهرة، قالت بوضوح إن القاهرة حسمت خيارها، وقررت أن تتحول لدولة نووية، وأن مجرد بناء مفاعل نووى سلمى، وتشغيله يعد بمثابة قاعدة علمية وتكنولوجية، لتطوير هذا البرنامج بشكل يثير القلق فى تل أبيب.

وأشارت إلى أنه فى أعقاب إنشاء المفاعل النووى السلمى فى الضبعة، سيكون طريق القاهرة نحو القنبلة النووية قصيراً، ومفروشاً بالخبرات والوسائل والمعدات اللازمة للتحول لإنشاء مفاعل نووى لأغراض عسكرية، وسيكون الأمر حينئذ رهناً بالرغبة السياسية لدى القيادة المصرية، وربما رهناً بالظروف السياسية والعسكرية التى ستشهدها المنطقة فى السنوات القليلة المقبلة. ولم ينس «تسفى مزائيل» أن يشير فى دراسته إلى أن مصر قامت بالتوقيع على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية سنة 1981، وأنها منذ تلك السنة، تدعو لإخلاء الشرق الأوسط من السلاح النووى، وتشن حملة منظمة ضد الترسانة النووية الإسرائيلية، وتبذل القاهرة جهوداً كبيرة فى الساحة الدولية لإجبار إسرائيل على الانضمام لمعاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، وإخضاع مفاعل ديمونة لإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وأضافت الدراسة الإسرائيلية بوضوح أن مصر ترفض حتى اليوم التوقيع على البروتوكول الإضافى لمعاهدة حظر انتشار السلاح النووى، الذى يتيح للوكالة الدولية للطاقة الذرية، أن تقوم بجولات تفتيش مفاجئة فى المنشآت النووية التابعة للدول الموقعة على المعاهدة بحسب الدراسة، لكسب مساحة مناورة إذا دخلت المنطقة فى سباق تسلح نووى، تحت أى ظرف من الظروف. ولم تستبعد الدراسة أن يكون وراء القرار المصرى (وقتها) باتخاذ خطوات فعلية باتجاه تأسيس البرنامج النووى، رغبة فى الحفاظ على مكانتها وزعامتها فى المنطقة، فى ضوء النجاحات الإيرانية المتتالية فى هذا المجال. وأنهى تسفى مزائيل دراسته بالتأكيد على أن ما يثير قلق إسرائيل ليس مجرد إعلان القاهرة عن رغبتها فى دخول «النادى النووى» عام 2006، وإنما إمكانية أن يشجع ذلك بعض الدول العربية، التى ستكون لها رغبات مماثلة، وفى مقدمتها المملكة العربية السعودية، والإمارات، والأردن.

البرنامج النووى المصرى لا يبدأ من فراغ. فقد كانت بداية البرنامج منذ الخمسينيات فى مفاعل انشاص وتم تدريب كوادر مصرية على مدى تلك السنوات بما أتاح لنا من الخبرات ما يمثل النواة التى يمكن أن نبنى عليها برنامجاً استراتيجياً. والإشارة واجبة هنا إلى أنه كانت هناك ثلاث محاولات لبناء محطات بدأت فى عام 1955 بمشروع محطة قدرتها 150 ميجاوات لتوليد الطاقة الكهربائية وتحلية المياه، لكنه توقف بسبب حرب يونية 1967. وكانت المحاولة الثانية فى عام 1974 بمساعدة وتشجيع أمريكيين غير أن واشنطن اشترطت خضوع المحطات النووية المصرية للتفتيش الأمريكى وهو ما رفضه الرئيس المصرى فى حينها أنور السادات، فلم تجد الفكرة سبيلاً للتنفيذ. أما المحاولة الثالثة فاختير لها موقع الضبعة بعد دراسات عدة فى سنة 1981، واتخذ المجلس الأعلى للطاقة حينها قراراً بإنشاء 8 محطات نووية، ولكن توقف المشروع بعد حالة الهلع التى أحدثها حادث مفاعل «تشيرنوبيل» السوفييتى سنة 1986 وما أثاره من تساؤلات بخصوص الأمن النووى.

ومصر لديها مفاعلان صغيران للبحوث الذريّة فى منطقة انشاص فى شرق القاهرة، الأول بُدِئَ العمل به فى عام 1961 بمساعدة الاتحاد السوفييتى السابق وصمم لإنتاج النظائر المشعة وتدريب العاملين والفنيين، وتبلغ قوته 2 ميجاوات ويعمل باليورانيوم المخصب. أما المفاعل النووى البحثى الثانى فمتعدد الأغراض، ويعمل بقوة 22 ميجاوات وأنشئ بالتعاون مع الأرجنتين وافتتح فى فبراير 1998، ويعمل كلياً فى المجال السلمى، ويحقق مردوداً اقتصادياً من خلال انتاج النظائر المشعة التى تستعمل فى تشغيل معدات علاج الأورام السرطانية، إضافة إلى تعقيم المعدات الطبية والأغذية ويساهم فى إنتاج رقائق السيلكون المستخدمة فى الصناعات الإلكترونية الأساسية. وهناك اتفاقات مبرمة بين مصر ووزارة الطاقة الأمريكية قبل سنوات بخصوص توريد اليورانيوم المخصب اللازم لدورة الوقود النووى بما يسمح باستيراد وقود نووى مخصب يكفى لتشغيل محطتين نوويتين.

ونأتى إلى موقع الضبعة، الذى كان هو الموقع الوحيد الذى اكتملت حوله الدراسات منذ فترة الثمانينيات.. وكانت أسباب أو مبررات الانتظار هى أنه قد استجدت تطورات كبيرة فى تكنولوجيا إقامة المحطات النووية، وأن الدول المتقدمة فى هذا المجال مثل: «الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وكندا وكوريا» تبحث فى أجيال متعاقبة من المحطات النووية، لدرجة أن فرنسا وصلت إلى الجيل الرابع وأن تطورات فى تكنولوجيا إقامة تلك المحطات الجديدة منذ الثمانينيات وبالتالى لم تقتصر الدراسات على ما تم بالنسبة لموقع الضبعة فى ذلك الوقت ولكن روعيت المعايير الجديدة التى تم تطبيقها على ضوء ما حددته وكالة الطاقة الذرية وقد أعادت التأكيد بأن الضبعة هى الموقع الأمثل لإقامة المحطة. وموقع الضبعة يتميز بأنه بعيد عن حزام الزلازل وآمن من الهزات الأرضية، كما أن أرضه منبسطة على البحر وليس بها تلال أو مرتفعات، ووجودها على البحر يوفر لها المياه اللازمة للتشغيل.

وبسبب القرار الجمهورى الذى لم يتم تنفيذه طوال 34 سنة، كان السور الكبير الذى يزيد على 15 كيلو متراً، سببا فى تجميد مدينة كاملة، وإصابتها بما يشبه الشلل. والمدينة كانت مصابة بالشلل فعلا منذ صدور القرار الجمهورى رقم 309 لسنة 1981، الخاص بإنشاء محطة نووية لتوليد الكهرباء وتحلية مياه البحر بها، والذى تم بموجبه نزع ملكية الأراضى الواقعة فى نطاق المشروع الذى يمتد بطول 15 كيلو مترا بمحازاة الطريق الساحلى، وبعمق يتراوح ما بين 3 و5 كيلو مترات على ساحل البحر المتوسط، وهى المنطقة الرئيسية التى كان يسكنها أهل الضبعة الذين كانوا يعملون فى رعى الأغنام وزراعة الزيتون والتين والموالح واللوز والعنب وأحيانا الشعير والقمح.

السور الكبير عزل المنطقة عما حولها، وتم تعديل الطريق الساحلى القديم الذى كان يخترق أرض المشروع؛ وإزاحته لمسافة 2 كيلو متر جنوبا بمحازاة السور الخارجى، ضمن سلسلة طويلة من الإجراءات فى طريق تنفيذ المشروع. غير أن كل شىء توقف فجأة سنة 1986، وظل الوضع مجمدا لما يقترب من العشرين سنة، حين تذكر النظام الأسبق فجأة فى سبتمبر 2006 أن يحيى البرنامج النووى، لندخل وقتها فى جدل استمر سنتين انتهى بالانصياع لضغوط عدد من الحيتان، والوصف لرجال الأعمال يمكن وصفهم بأنهم من الوزن الثقيل!

فكان أن استغل الناهبون الفرصة لـ«تسقيع» الموقع و«تسليكه» من مشاكل الإشغالات غير القانونية بحيث يمكن بيعه خاليا من الموانع لمستثمرين أجانب، وبالفعل لم يمض عام على هذا القرار إلا وكان أحمد المغربى وزير السياحة وقتها يصطحب محافظ مطروح ووفداً أجنبياً مجهول الهوية واتجهوا مباشرة إلى مواقع يبدو أنها كانت محددة سلفا، كمقدمة لتفكيك المشروع وتحويله إلى منتجع سياحى باستثمارات أجنبية، وهو ما اعترف به أحمد المغربى وزير السياحة وقتها (5 أكتوبر 2004) فى حوار لجريدة «الشرق الأوسط»، وأكد أنه زار الموقع بصحبة وفد أجنبى ومحافظ مطروح لاستطلاع إمكانيات الموقع السياحية وما إذا كان يصلح لإقامة منطقة سياحية، وأضاف قائلاً: «وجدت أن الموقع يصلح لدخوله ضمن خطة تنمية الساحل الشمالى».

وما إن تسربت أخبار عن إعادة التفكير فى المشروع إلا وبدأت حملات «مشبوهة» تروج لإمكانية بيع موقع الضبعة للاستخدامات السياحية واستخدام عائد البيع لتمويل إنشاء محطات نووية فى مكان آخر، الأمر الذى دفع أحمد نظيف (رئيس الوزراء وقتها) إلى إعلان أنه يدرس هذه النصيحة كما قال أمام مؤتمر حوكمة الشركات، طبقا لما نشرته جريدة الجمهورية فى 1 نوفمبر 2006. وما من شك فى أن ذلك، ونقصد الاستيلاء على موقع الضبعة، لم يكن له أى هدف غير تصفية البرنامج النووى المصرى.

والغريب أن الدراسات التى أجريت على موقع الضبعة فى 2009 واستغرقت أكثر من عام، بعد الاستقرار على استشارى عالمى للمشروع «مكتب وورلى بارسونز السويسرى» فى عام آخر؛ لم تختلف كثيراً عن دراسات الثمانينيات التى أكدت أن موقع الضبعة أنسب موقع فى مصر لإقامة المحطات النووية، وخرجت مسودة التقرير -الذى لم يعلن عن مضمونه بشكل رسمى حتى الآن- لتضع «الضبعة» فى صدارة المواقع الصالحة للمشروع، ووصفته بـ«الموقع النووى المتكامل»، ووضع التقرير بقية المواقع التى رشحتها الوزارة فى مرتبة لاحقة لـ«الضبعة». وقيل وقتها إن موقع «النجيلة» الذى يقع غربى موقع الضبعة بـ350 كيلو متراً، بالقرب من الحدود المصرية الليبية، هو الموقع البديل لـ«الضبعة»، رغم أن تقرير «بارسونز» وضعه فى مرتبة تالية لموقع «الضبعة»، باعتباره موقعاً مناسباً، لكن بدرجة جودة أقل كثيراً من «الضبعة».

ومن وقتها وحتى توقيع العقد مع روس أتوم الروسية، ظل الجدل يشتد ويخفت كل فترة حول كون منطقة الضبعة، «نووية» أم «سياحية»، بالتوازى مع صراعات محتدمة بين لوبى مصالح يتحكم فى قرى الساحل الشمالى ومنشآته، وبين أهالى المنطقة من ناحية.. وبين الإدارة والإرادة المصرية من ناحية وإدارات وقوى لا تريد لمصر خيراً من ناحية أخرى، وتتحرك لخدمتها أو بأوامرها أياد داخلية. وبإنشاء أربع محطات نووية بالضبعة، سوف يسجل التاريخ أن مصر فى عهد السيسى نفذت برنامجها النووى، الذى تعددت أسباب إخفاقه على مدى ستين عاماً.. ودخلت النادى النووى من أوسع أبوابه، باستثمارات قدرها 25 مليار دولار، بتمويل روسى على مدى 13 دفعة سنوية، ومن المقرر أن يبدأ التشغيل التجريبى لأول مفاعل نووى فى المشروع سنة 2022، وأن يكتمل الإنجاز فى 2028

7 0 نسخة للطباعة

علق على الخبر
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock