مقالات
7 سبتمبر 2017 12:05 صـ 14 ذو الحجة 1438

أهلاً بثقافة الاختلاف ..

أهلاً بثقافة الاختلاف ..

ماأشبه الليلة .. بالبارحة !!
فمنذ زمانٍ بعيد .. كانت نبوء ة أمير الشعراء/احمد شوقي؛ بما سيصير إليه حالنا من الفُرقة والتشرذم ؛ وصاح قائلاً :  إِلامَ الخُلــــــفُ بَينَـــــكُمُ إِلاما * وَهَذي الضَجَّةُ الكُبرى عَلاما ؟ وَفيمَ يَكيــــــدُ بَعضُـكُمُ لِبَعضٍ * وَتُبـدونَ العَـــداوَةَ وَالخِصاما ؟ فهل كان "شوقي" ـ ومصر ترزح تحت نير الاحتلال ـ  عالمًا بالغيب ؟ أم أن الشاعر/نبوءة كما يقولون ؟ أم أنه غاص في تركيبتنا العجيبة ـ دون ترتيب زمني ـ الفرعونية المصرية العربية الفاطمية العباسية المملوكية العثمانية البيزنطية السومرية الآشورية البابلية؛ واستطاع أن يدق جرس الإنذار والتحذيرمبكرًا، ونحن ـ كالعادة ـ لانسمع .. وكأن لا حياة لمن تنادي ؟ فلقد ترك الاستعمار البغيض في نفوسنا كل الآثار التي ترتبت على تطبيقه لسياسة "فرِّق .. تسد "؛ ومازالت آثارها كامنة في نفوسنا إلى يومنا هذا .

وهانحن الآن ؛ نعاني مما حذرنا منه الشعراء والأدباء في الأجيال السابقة؛ والتحذير من اتساع فجوة الخلاف والعداوة والبغضاء بين أبناء الوطن الواحد بكل طوائفه وملله ومعتقداته؛ فالموروث الثقافي منذ النشأة الأولى في المنزل؛ يلعب دورًا أساسيًا ومهمًا في تعميق ثقافة الخلاف في الأمة العربية والإسلامية، وخاصة دورالعائلة والقبيلة .. والدولة، فيورث الآباء الأبناء ما ورثوه عن الأجداد، فتصبح بعض العادات مسلمات و ( تابوه ) مقدس لا يمكن التغيير فيها سواء كانت إيجابية أم سلبية، فعادةً ما يكون سيد القوم والقبيلة رأيهُ نافذًا لا يقبل الجدل أو الاختلاف .. فينشأ الخلاف والقطيعة، وطبيعة البشرية كلها قامت علي التنوع والاختلاف. فسياسة القمع وتسفيه الرأي والرؤى تبدأ بحلقات سلسلة طويلة؛ بداية من قمع الأب والأم  للأبناء؛ ثم المدرس  في فصول الدراسة الأولى؛ ثم مواد التدريس المفروضة في الجامعة دون الأخذ في الإعتبار للميول أو التوجهات الفكرية والسياسية والعقائدية؛ ثم قمع المديرالمسئول في العمل؛ ثم سلطة القمع التبادلية بين الزوج والزوجة بحسب قوة شكيمة أحدهما على الآخر، ثم سلطة القوانين الجائرة التي تنحاز دائمًا ـ وبخاصة في عالمنا الثالث ـ إلى كفة الأغنياء وذوي الحيثية المالية والاجتماعية .  إذن هي سلسلة طويلة من الإحباطات المتوالية لإرادة الفرد؛ الذي يخرج  بدوره إلى الحياة العملية مشبعًا بالقهركقطعة الإسفنج؛ ليمارس نفس السياسة القمعية تجاه الآخرين، فالمتعارف عليه أن فاقد الشىء .. لايعطيه ! وبعد أن كانت المقولة الشائعة : إذا حدثت فلانًا عن الثقافة .. وضع يده على مسدسه؛ أصبحنا نرى فوهات البنادق فوق رءوس كل من يختلف معنا في الرأي أو التوجه العقائدي؛ نتيجة الخضوع للتفسير الخاطىء والفتاوى المغرضة؛ وبخاصة في تراث الموروث الديني؛ الذي يجب إعادة النظر في تقويمه وتصحيح مفاهيمه بالشكل الأمثل؛ وطبقًا لمقتضيات وظروف العصر؛ حتى لايتسع الخرق على الراتق كما نرى الآن في مجتمعنا المصري والعربي الذي تفاقمت فيه علة التشرذم  بالخلافات عميقة الجذور .

والغريب أن نسمع مقولة مضحكة لاتعكس الحقيقة القائمة والواقعية؛ فنردد ـ بلا وعي حقيقي ـ عبارة : الاختلاف في الرأي لايفسد للود قضية ! وفوهة المسدس فوق رأسك؛ والواقع يقول إنه "الخلاف" وليس "الاختلاف" ؛ ليتشبث كلٌ برأيه دون أن يتسع الصدر للمناقشة الجادة؛ لا الجدال العقيم الذي يصل بنا إلى القطيعة والمقاطعة . 

ولكن .. ماالذي أوصلنا إلى هذه الحالة المتردية ؟ وهل من سبيل للعودة إلى صفاء النفوس؛ أم سنظل نردد مع القائل : " لَقَد أَنَلتُكَ أُذنًا غَيرَ واعِيَةٍ ** وَرُبَّ مُنتَصِتٍ وَالقَلبُ في صَمَمِ " !! إن مسئولية العودة إلى طبيعتنا السمحاء؛ تتطلب جهود العلماء في البحث عن جذورهذه المشاكل المجتمعية؛ واجتثاث جذورالفتنة وإخماد جذوة التشرذم الكامنة تحت الرماد؛ وإعادة غرس بذور ثقافة القبول والإقتناع بالحوارالسليم بين كل طبقات المجتمع على اختلاف ثقافاتهم ، فبغيرهذا لن يكون المستقبل في صالح الوطن أو البشر الذين يعيشون فوق أراضيه، فالتغير يجب أن يبدأ من البيت منذ مرحلة الطفولة .

إذن فالحل الأوحد هو تنمية ثقافة الاختلاف، فهي القادرة على فتح آفاق جديدة في تقبل الآراء الأخرى، والاستفادة منها، بل وتحويلها إلى فكر مستنير تشترك فيه عقول ذات توجهات مختلفة، فالثقافة بلا اختلاف، كرأس بلا عقل، جسد بلا روح، مع الأخذ في الحسبان أن الاختلاف يفقد قيمته حينما يتحول إلى خلاف أو عداء شخصي، فاختلاف الفرد في رأيه مع الآخر، ميزة إيجابية قد تكشف لأحدهما أو لكليهما قصورًا ما، دون المواجهة المسلحة التي نراها اليوم من بعض الفصائل المارقة التي يجب أن نستأصل شأفتها من المجتمع . 

ولتكن قدوتنا في الاحتكام إلى الصبر والحكمة في المسائل الخلافية ، ماحدث من "إبليس" تجاه المولى سبحانه وتعالى ؛ حين أمر الله تبارك وتعالى الملائكةَ بالسجود لسيدنا آدم عليه السلام فامتثل الملائكةُ لأمر الله وسجدوا كلهم  وأما إبليس فقد استكبر واعترض على الله ولم يمتثل لأمره وقال: { أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} (سورة الأعراف/12) فكفر وظهر منه ما قد سبق في علم الله تعالى ومشيئته من كفره واعتراضه باختياره، وكان المولى سبحانه وتعالى يستطيع أن يسحقه في غمضة عين، ولكنه شاء أن يعطينا المثال والقدوة في التسامح والرحمة والقبول بالرأي الآخر . 

فهل وعينا الدرس ؟ وآن الأوان للعودة إلى جذورنا الأًصيلة في التسامح والقبول بالآخر ؟

أستاذ العلوم اللغوية ـ أكاديمية الفنون


أُضيفت في: 7 سبتمبر (أيلول) 2017 الموافق 14 ذو الحجة 1438
منذ: 16 أيام, 14 ساعات, 38 دقائق, 14 ثانية
0
الرابط الدائم

التعليقات

20665
    


    




استطلاع الرأي

هل تنجح الضغوط الدولية في إيقاف مجازر بورما ؟