مقالات
9 سبتمبر 2017 6:47 مـ 17 ذو الحجة 1438

في مسألة الروائية المنتقبة ..

في مسألة  الروائية المنتقبة ..

هل يمكن أن تكتب المرأة المنتقبة الرواية؟ قد يندفع الكثيرون قائلين: لمً لا، فالزيً شأن شخصي لا علاقة له بفعل الكتابة سواء كانت رواية أو ما عاداها من الأنواع الأدبية، كما أن المظهر حرية شخصية، من حق كل فرد أن يمارسها كما يحلو له مالم يضر الآخرين من حوله، وطبيعة الملابس ونوعيتها لا تمثل سوى جانب من الذات الفردية لا علاقة لها بالضرورة بما يطرح في الرواية من أفكار ولغة وبناء فني.
لقد طالعتنا في الآونة الأخيرة بعض الصور لمنتقبات وهن يوقعن أول نصوصهن الروائية، وتساءلت كمشتغلة بالنقد ونظرية الأدب كيف يتسق فعل كتابة الرواية وشخصية الكاتبة المنتقبة، كيف يجتمعا ويتصالحا؟ خاصة إذا علمنا أن هناك أكثر من عشر روائيات منتقبات يكتبن في الساحة الأدبية وتعدت نصوصهن عشرات الروايات. هل ينفصل الشكل "المظهر الخارجي" عن الجوهر "الرؤية والأفكار"، أهما ثنائية حقيقية أم خادعة؟ 
في مسألة الكاتبة المنتقبة افتراضان: أن تكون الروائية مقتنعة ومؤمنة بضرورة أو استحسان لبس المرأة للنقاب، أو أن النقاب قد فرض عليها من سلطة اجتماعية وأسرية، واستجابت بدورها لهذا الزي منعا للمواجهات التي تضعها في موقع الرفض في وسطها الاجتماعي، ونعتها بالتمرد والسفور، وفي كلتا الحالتين هناك العديد من النقاط التي أود طرحها للنقاش مع القارئ. 
حالة الاقتناع بارتداء النقاب تتنافى حتما مع فلسفة الإبداع العميقة، حيث يمثل النقاب نوعا من التطرف، الرضا بجانب من التعتيم على الذات البشرية، وتغليب كون الكائن الإنساني "المرأة" جسدا جالبا للفتنة، في حين يتطلب الإبداع قدرا عاليا من انفتاح الذات على الحياة رؤية وتفاصيل، الثقة بالمطلق الإنساني المتحرر الذي ينطوي على رسالة بشرية شاملة تؤمن بقدرات  العقل وفعله، وعي يثمن الإرادة وحريتها وفردانيتها، وإمكانية خلق الإنسان لعوالم قائمة على المخيلة والمجاز وبراحات التأويل، كتابة لا ترى في الجديد بدعة ولا تجاوزا وخروجا على الأعراف والإجماع، بل تؤمن بالكتابة فعل تجدد مستمر، تتملكها شهوة ابتكار الأفكار والقضايا، فالإبداع نوع من دك الحصون الراسخة، وإعادة تقليب التربة المستقرة المستوية، وإقامة بناءات جديدة تحتمل الغرابة والتجاوز والخلق المغاير، وابتكار الجديد وطرحه من وجهات نظر مختلفة قادرة على تغيير العالم بعمق، وفي حالة من التراكم الهادئ غير المباشر، حتى إن لم يصرح المبدع بهذا واكتفى بقوله أنه يلعب ويبوح لذاته.
 ولو أن هدف المنتقبة التي تمارس كتابة الرواية توجيه رسالة دعوية للمجتمع من خلال نصها، وبافتراض عدم انتمائها لبعض التيارات السلفية الأصولية، كلنا بات يعلم أن الأدب والفنون تسقط وتفقد سحرها حالة التوجيه المباشر، حيث تحولها القصدية إلى خطاب دعائي وصوت تعليمي جهوري، فالفن يتأسس بصورة عميقة على رؤى متجاوزة جسورة تنشد قيما جمالية تناقش الوجود والحياة بلا سقف، كما لا يعترف بالتابوهات، بل يخوض في المسكوت عنه من قضايا المجتمع.  الروائي المميز لا يرى الوجود حالة تضاده، الإيمان في مقابل الكفر، الخير في مقابل الشر، العدل في مقابل الظلم، بل يبرع في قدرته على التقاط البينيات ومناطق الصراع، المناطق الرمادية، والتفاصيل الدقيقة في حياة البشر، استيعاب الاختلاف والتعدد وتجسيد شخوص النص واستنطاق أصواتهم ومبرراتهم لا وضعهم تحت مقاصل الحساب والعقاب.
 تحتاج كتابة الرواية إلى أصوات تنويرية تواجه النكوص في إمكانية التجديد والاجتهاد، تبتكر وتنمي جهاز مخيلتها بلا خوف من المواجهات.
كما أحسب أن المنتقبة التي فرض عليها هذا الزي وتساير سلطة مجتمعية غير مؤهلة لخوض غمار ومعارك الكتابة الروائية، والتعرض لكل قضايا المجتمع الشائكة التي نحياها، فهي لم تستطع أن تحافظ على القدر الأدنى من حريتها الشخصية.


أُضيفت في: 9 سبتمبر (أيلول) 2017 الموافق 17 ذو الحجة 1438
منذ: 13 أيام, 20 ساعات, 3 دقائق, 38 ثانية
0
الرابط الدائم

التعليقات

20851
    


    




استطلاع الرأي

هل تنجح الضغوط الدولية في إيقاف مجازر بورما ؟